الآلهة هي أكبر أزمات الدين
الشياطين لا وجود لها بقدر ما ليس للآلهة من وجود، لكونها جميعها منتوجات النشاط النفسي للإنسان
سيغموند فرويد ـ مجلة نيويورك تايمز 6 ماي1956
من أكبر الأكاذيب التي يروج لها الدعاة المسلمون الكذبة التي تقول أن العرب كانوا مجموعة من الرعاع هذبها الإسلام. طبعا ليس الأمر بغريب عن الديانات الأخرى، فقد إعتقد المبشرون المسيحيون أن سكان أمريكا الأصليين هم همج، لمجرد غير معرفتهم للمسيحية وتفضيلهم لديانات الأجداد. وبقدر ما لم يكن التبشير المسيحي تبشيرا، لم يكن الفتح الإسلامي فتحا، فهما بأفضل المقاييس إستعمار وإبادة جماعية.
ولكن الموضوع الأساسي ليس تحليل النزعات العسكرية في الدين، بل هو أساسا مدى وجاهة وجود الدين. وهنا يسود إعتقاد سطحي وساذج حول مدى إقناع الإسلام كدين في العصر الذهبي للحضارة العربية. فلنكتشف معا بعض ما قيل في الدين من شعر وغيره :
لما جهلت من الطبيعة أمرها *** وأقمت نفسك في مقام معلل
أثبت ربـا تبتغـي حلا به *** للمشكلات فكان أكبر مشكل
الزهاوي
إذا كان لا يحضى برزقك عاقل *** وترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا رب السماء على إمرىء *** رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
أبو العلاء المعري
حياة ثم موت ثم حشر *** حديث خرافة يا أم عمرو
ديك الجن (من تكملة الديوان) وهو منسوب إلى أبي نواس (ابن قتيبة) وابن الزبعري (الثعالبي ـ ثمار القلوب) [المصدر : موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها لمحمد عجينة]
قال تعالى في وصف الجنة : فيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه، ولا يكاد يشتهيه إلا الجائع، وذكر العسل ولا يطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ إلا شربه، والسندس يفترش ولا يلبس، وكذلك الإستبرق وهو الغليظ من الديباج، ومن تخيل أنه في الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل، صار كعروس الأكراد والنبط.
إبن الراوندي
بيتا الشعر اللذان ينسبان للزهاوي يمثلان واحدة من أقوى الحجج الفلسفية ضد فكرة وجود الله إلى اليوم، وبقدر ما أن اللغة العربية لم تكن قادرة على أن تكون لغة علمية (عكس اللاتينية) فإن ما تبقى من الشعر والأدب العربيين نقل إلينا الكثير من الحجاج الفلسفي الذي عرفته الحضارة العربية في مرحلة الدولة الإسلامية وخاصة العباسية، حيث كانت الحرية الفكرية أفضل بكثير من حال معظم الدول العربية اليوم.
في البيتين المذكورين نكتشف أن وجود الله ـ وهو كائن مثالي ـ يمثل مشكلة أكبر من وجود الكون نفسه. فإن كان الله قد خلق الكون، فمن خلق الله؟ فالكون موجود على الأقل، ونحن متأكدون من ذلك، وتحكمه الفوضى (سوف أعرج على ذلك عند الحديث عن الديناميكا الحرارية) ووجوده هو مأزق تفشل معه العلوم والفلسفات الحديثة، فما بالك بكائن خارق مفكر قادر على كل شيء، ولا نملك ولو دليلا واحدا على وجوده؟
هناك كثير من المغالطة في القول بأنه لا بد من الله لتفسير الكون، وكما يقول كارل ساغان : “لا بد للإدعاء الخارق للعادة أن تكون له دلائل خارقة للعادة” وهو ما لم يحصل في حالة الله. عالم الفيزياء غير مطالب بإثبات وجود الكون، فنحن متأكدون من وجوده، ولا بد من أنه يوجد تفسير لوجوده، وهذا ما لا نملكه. ولكن عالم الدين الذي يقترح الله كحل لمشكلة فيزيائية يصبح مطالبا بإثبات وجود الله أولا، وبتفسير وجود الله بدوره، لكي يصبح للدين أي إعتبار بالمنظور العلمي، وطبعا، لم ينجح أي عالم دين في ذلك، ولا يزال الملحدون هم من يحصل على جوائز نوبل للفيزياء.
لا يمكن أن نتغافل أيضا عن النقد الأخلاقي للذات الإلهية، فقد يقول المرء : أنا لست بعالم أو باحث لأفهم في الفيزياء، أنا أؤمن بالله لأنه يفسر كل شيء لي ويجعلني أعيش في سعادة. وهذه هي الحجة المفصلية الثانية لدى المؤمنين. وأنا أتفق مع كون أن الله يفسر تقريبا كل شيء، فهذا أمر واضح جدا، فليس الله وحده من يفسر كل شيء، بل كل التراث الديني العالمي كآلهة اليابان التي تعد بثمانية ملايين و آلهة الإغريق والرومان والأزتيك والإنكا إلخ… ووجود التفسير ليس بالأمر المهم، فبإمكان أي منا إبتداع آلاف التفاسير المختلفة لظاهرة واحدة، ولكن السؤال المهم فعلا هو الإثبات لهذا التفسير، وهو ما يتغاضى عنه المؤمن عادة.